شكري سنة بعد

** »الإستشهاد في سبيل الوطن هو الحياة »

هناك عدة طرق تنجر عنها الوفاة. وقد سجل العام المنقضي – وكأني به
البارحة – عدة وفايات من أجل الوطن. وأما فيما يخص وفاة شكري بلعيد وغيره فهل يجب أن ننعتها بالموت حقا ؟

ففي البداية إن شكري بلعيد قد وقع إغتياله وهو ليس بميت مثل الآموات العاديين . وهذا الإغتيال الشنيع قد دبر بحنكة وأعلن عليه في واضح النهار وهو يوصف بجريمة دولة. وقد هدد وزير الداخلية وبعض أعضاء مجلس الشورى لحركة النهضة حياة شكري وهو في حد ذاته جريمة يعاقب عليها في دولة القانون. فلا غرابة بأن المتهم الرئيسي لهذا الإغتيال هو حركة النهضة. وإن المسؤولية السياسية والأدبية لهذه الجريمة وماشابهها تلقى على عاتق حكومتي « التريكة » الأولى والثانية وعلى رأسهما حركة النهضة بخلاف المسؤولية الجزائية للأشخاص اللذين قاموا بإرتكابها واللذين قرروها وكل من قام بتدبيرها في الداخل والخارج من بين اصحاب الخفى. وسيضل شكري بلعيد يطارد مضاجعهم الى الأبد. وما صراخ الجماهير التي ما إنفكت تطالب يوم بعد يوم منذ عام قصد إكتشاف الحقيقة بالنسبة لإغتياله ومحاكمة المجرمين لدليل على ذلك.

إن شكري بلعيد الذي تحول إلى قطعة من جسمنا وهو إبن الوطن كما يصفه أبوه « عم صالح » هو حي رغم أنف قاتلته الأشرار والذين أمروا بقتله كرها في شخصه. فإن لهذا الإبن الفذ شخصية ذات بعد إنساني وسياسي يزداد يوما بعد يوم ليصير رمزا مرموقا في البلاد. وأن تواضعه اللذي ينبع من خصاله الحميدة المتجذرة في بيئته الشعبية لم تمكنه من أن يفكرأنه سيصبح عظيما رغم أنه يعلم أنه مهدد بالموت في كل لحظة.. وأن عنايته الفائقة بإبنتيه اليتيمتين واللتين كان يحبهما كثيرا وعائلته ورفقائه وأقرانه وأصدقائه وأحبابه وجواره وزملائه الكل يشعرون بجرح مرير. ورغم غياب وجوده فإنه حيا بينهم عاطفيا وهو يواصل الكفاح وفي طليعة النضال السياسي.

فلماذا طالبوا برأس شكري وبهذه الحدة؟ فهل كان يخيفهم لهذا الحد؟ والحال أن هذا المحامي ذي الإبتسامة اللطيفة والمدافع بكل تجرد لقضايا الضعفاء وخاصة ملف » الإسلاميين » اللذين وقعت مطاردتهم من قبل العهد السابق. فلم يقابل شكري التهديد بالتهديد. وهو رجل العدل والقانون. وهو بأسلوبه كان مجرد من العنف اللفضي والمادي. وهو يصرح بكل وضوح أن العنف لا يخدم إلا النهضة. وهو قد إقترح بنفسه بضعة ساعات قبل الصباح المشؤوم في 6 فيفري عقد مؤتمر وطني ضد العنف. فما هي المضرة التي تهدد مصالح الجهة التي تصف نفسها بالدينية من وجود مناضل يعمل جاهدا لفائدة الحركة الوطنية؟ وما هي الفائدة الحاصلة من هذه الجريمة التي إرتكبها هؤلاء اللذين يصفون أنفسهم بالمتدينين تحت غطاء سر الدولة التي تقودها النهضة؟

 » لعبة البومرانق »
وفيما يخص فرحات حشاد فهو كان يعلم أنه مهدد أيضا من أجل نفس المقاومة الوطنية. فلاغرابة أن الشعب التونسي الحزين والغاضب في آن واحد والذي يتظاهر في الشوارع وهو يرفع صورتي حشاد وبلعيد في آن واحد. والمعروف أنه بعد نصف قرن نجدهما يسقطان ضحية بنفس رصاص العدو الآول إثر جريمة شنعاء إقترفتها الدولة الفرنسية والثاني على يد الدولة التونسية المخترقة من طرف مجموعة ظلمية منخرطة في فيدرالية دولية للجريمة والتي هي سببها. وهذه المجموعة لها صبغة سياسية ودينية وإرهابية تصر على الخلط بين السياسي والديني كرأس مال تجاري داخل هذه التركيبة الإيديلوجية التي ليس لها أساس. وهذا التيار يهدد الشعب الغير خاضع لإرادتها حسب المقولة  » إما الحكم لنا أو الكارثة » . وهذا ما وقع للإخوان المسلمين في مصربعد إسقاطهم كمجموعة إرهابية وهي نهايتهم المتوقعة.

قد عجل إغتيال فرحات حشاد ما كان يفكر فيه اصحاب هذه الجريمة أن لا يؤدي إلى إستقلال البلاد المنطفض ضد السيطرة الإستعمارية وذلك عن طريق الإرهاب. أما إغتيال شكري بلعيد فتحول ضد مقترفيه رأسا عن عقب مثل لعبة « البومرنق ». وقد أحدث هذا الإغتيال صدمة عاطفية عمدا من جراء هذا الإرهاب داخل هذا الشعب الذي قام بانتفاضة من أجل الحق في العمل والحرية والكرامة الوطنية. وبالعكس فقد خرجت بكل تلقئية ونقمة ألوف الرجال والنساء من كل الأعمار في الشوارع وفي القرى في يوم حالك لحداد قومي. فشعر هذا الشعب أنه هو المستهدف الرئيسي بهذه الجريمة عبرشخصية شكري بلعيد الفذة وهو الذي دافع هذا الأخيربكل يقظة وبدون توكيل على حقوق هذا الشعب حتى صار شهيدا وهو قريب حتى من الذين لا يعرفونه واللذين أطلقواعليه دموعهم الحارة.

ولم تمضي إلا ستة أشهرعلى إستشهاد شكري بلعيد حتى تكررت هذه الجريمة مرة اخرى بنفس الطريقة في شخص محمد البراهمي النائب سابقا بالمجلس الوطني التأسيسي. فذهب بفعل هذا الصنيع حلم النهضة غبارا باستثناء حلم الشعب المنطفض والممثل في شخص شكري بلعيد. هذه الحركة الموصوفة بالوهبية الدنيئة والمبنية على الجريمة السياسية وهي في ذات السياق تخدع وتفشل وتغط وتغش وتنفر وتعقد وتنهروتهدد وتفقر الشعب للسيطرة عليه. والأخطر أنها تريد الإحباط بالدولة التي حلم بها حشاد لتحل محلها خلافة القرون الوسطى. لكن هذا السراب الديني والذكري ليس له مكان إلا في حلمهم. أما نحن فإننا نناظل من أجل إرساء جمهورية الحريات والحقوق الكونية والحياة الكريمة والمواطنة الكاملة والمندمجة للنساء والرجال والأطفال. حشاد وبلعيد هما وطنيان الأول تصادم مع الدولة الفرنسية والثاني ضد المشروع الظلامي لحركة النهضة. وهو مشروع أرادت النهضة أن تخترق به وبخداع الدولة التونسية. وهي تحاول أن تجعل الشعب التونسي بأكمله رهينة تحت تهديد إرهابي مبرمج من قبل. إذا كان سقوط الإخوان المسلمين في مصرمثل الصاعقة فإن إنحلال النهضة ولوبطئ قد صارمتأكدا.
إن الدم السخي للشهداء هو مثل الذي سال بين قواتنا المسلحة من جيش وأمن وطني وهولا يجف أبدا ولا يمكن غسله لأنه يجري وسيجري دائما في عروق المواطنين والمواطنات حسب دقاتها واللذين يتمتعون بحس وطني كبيريمكنهم من الدفاع بشراسة على الحقوق المشروعة والمواطنة لهذا الشعب الذي نادى بالشغل والحرية والكرامة الوطنية طبقا لمطالب اصحاب الإنتفاظة بدية من عام 2008 بالحوض المنجمي في قفصى وحتى إلى يوم 14 جانفي 2011 وهذا الدفاع سيشمل ايضا الأجيال القادمة.

المثال المتجسد
إن يوم 6 فيفري لا يكون يوم إحياء ذكرى أموات ولايكون فرصة لإلقاء خطب للرثاء. والتذكير بإسم شكري في كل يوم هو بمثابة النداء لما يجمعنا من اشياء مشتركة بيننا والتي هي متصلة بخصاله الحميدة وقوة أفكاره المنحصرة فيه أسوة بما قام به أسلافنا في النضال لتحرير الشعوب. فكانت تحدو شكري طاقة عظيمة وكذلك إستباق بما سيحدث له. وكان يريد الإسراع لإحداث البنية الأساسية للكفاح وخلق الإستراجيات وكانت عيناه ترنو الى الأفق مثله مثل الشعراء والمتنبئين بالمستقبل. فكان صوته الرخيم قد وضعه منذ عقود في سبيل الضعفاء وهو يعلو ويجد صداء لدى الطبقات الإجتماعية الوسطى والوطنية والتي وقع تفقيرها وهي متعاطفة مع الكادحين في الأرض وذلك بغية إحداث برنامج وطني للجميع متصف بالعدالة والحرية. وكان شكري بحماسه الوقاد وشجاعته البدنية والذهنية قد جعل حركة النهضة تشعربتهديده لها إثر الإنتفاضة الشعبية التي حدثت في هذا الوطن بدون قيادة. وكان ظهوره على الركح الوطني تقوده أكثر فأكثرلشئ من « الكاريزمة » داخل هذا الشعب الثائر. وهو كان يسهل ببعد نظره دراسة الأوضاع لتحيينها ولتجديد التحاليل والأبعاد مما يسهل تجميع قوى التحول حسب التحدي اليومي وضد الركود والعقائد الجامدة والآتية من الغرب والشرق. وكان شكري يحاول بجرأة إيجاد طريق استثنائية لإحياء العملية السياسية حسب قاعدة جامعة : في أول الأمرإنقاض سريع للوطن في حالة خطروثانيا اقتراح مشروع للبلاد على المدى الطويل تنبثق منه برامج واقعية ومنطقية. وهكذا كان يجمع القوى الحية بطريقته الإستشرافية لتمكينها من قطب وطني يخترق مختلف النظريات التقسيمية والإيديولوجات المعقمة التابعة للقرن السابق.

وهكذا فكان لا يعتبر شكري كخصم سياسي عاديا بل كعدورئيسي بالنسبة لاصحاب التقوى الغالطة وكعدو يجب القضى عليه جسديا وهو ينعت عليه بالأصابع في الأوساط العمومية للإنتقام منه بيدي المرتزقة . وقد وقع الخرق من طرف هؤلاء الأعداء داخل الدولة وهم يهددون الشعب بميلشياتهم الفاشية وعبر الإرهاب الذي مكنوه من الدخول إلى أرض الوطن وذلك عن طريق المساجد والجبال. وهم يتشبثون بإنتمائهم الى مجلس قومي تأسيسيي بعد خلوه من الشرعية المقدرة قانونيا بعام لصياغة دستور جديد.
فيجب إحداث عدالة إنتقالية بأتم معنى الكلمة بدون غش وذلك لفتح ملفات الظلم سابقا وحاضرا بالنسبة لأعضاء الحركة الوهابية المسمة بحركة النهضة وشركاءها بالخارج.
وستنجز الأجيال الحاضرة والتي تليها ذات الحس الوطني منادية شكري ولا زالت تناديه في المواضيع المختلفة. وبما أنه يفوق حزبه من الناحية الإشهارية فهو يجسد إلى الأبد إرادة التحول وضمير الحاضر الذي يتطلب سرعة التفكير من أجل الإختراع وبالنسبة لخلق ستراتجية الكفاح. وبوادر التحول هي صارت مجسدة في الأفكار للإستعمال اليومي للنضال المستمرالخاص بالشعب الثائر. ويمكن لشكري أن يقدم جوابا أحيانا بواسطة صوته. وبصفته كمتمرد فهو يشجع العصيان الشرعي للنساء والشباب في الخط الأمامي لسير الإنتفاضة الشعبية التي سرقت من اصحابها. فعلى هؤلاء أن ينتزعوا الحق الشرعيلإعادة بناء وطن عادل وسيد وهم ينشدون الحرية بدون حدود.
وهكذا يكون شكري بلعيد الإفريقي والمنحدر من سلالة « يوغرطة » قد سجل إسمه على قائمة شهداء الكفاح الوطني والقاري لتحرير الشعوب بعد « بتريس لوممبا »و »أملكاركبرال » أحدي القوميين اللأفارقة الذين أغتيلوا من طرف أعداء الشعوب وهم بعض المتورطين الأشقياء المحليين المواليين للسلطات الأمبرالية الغربية.
تونس في 6 فيفري 2014

رشيد الشريف*
_________________________
*مواطن مستقل
**فقرة من النشيد الوطني الكوبي

Publicités

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s